martes, 9 de agosto de 2011
مقاطعة اليوم السابع - ١٧ فبراير ٢٠١١
مقاطعة اليوم السابع - ١٧ فبراير ٢٠١١
أوائل يناير الماضي، و عبر أحد الأصدقاء، تم الترحيب بي لكتابة مقالات لموقع اليوم السابع. نشر أحد المقالات. بعدها، و بحجة تطور أحداث تونس لم ينشر المقال الثاني. و هو المعنون ب (قرار إغتيال سيد بلال) و مرسل للموقع بتاريخ ١٢ يناير الماضي. الموقع قام بنشر أحد المقالات الأخري الخاصة بتونس و مصر أول أيام ثورة ٢٥ يناير، برغم عدم مواكبته للأحداث. فكرت بعد هذه التفصيلة في مقاطعة هذا الموقع لموقفه غير الواضح – بالذات موقف رئيس تحريره - من ثورة الشعب المصري، و خصوصا علي مستوي الأخبار التي يقوم بنشرها و نوعها. بعض الأصدقاء إعترضوا علي رغبتي هذه بحجة ضرورة وجود أصوات أخري داخل الموقع. فأرسلت مقال آخر بعنوان (إحراق الخطوط الحمراء) يوم ٧ فبراير. قيل لي بأنه سينشر بالتأكيد يوم ٩ فبراير. و هو ما لم يتم. من تفاصيل كثيرة أعتقد بأن هذا كان مقصودا، و خصوصا لمضمون المقالين و لتواريخ كتابتهما. الأصدقاء الأعزاء، مرفق المقالين، و أؤكد أنني لن أتعامل مرة أخري مع هذا الموقع لحين تغيير سياسته و قيادته، بما تثيره من الكثير من الشبهات.
باسل رمسيس
قرار إغتيال سيد بلال
هل تتذكرون عبد الحارث مدني؟ أنه محامي إسلامي تم تعذيبه و قتله ربيع ١٩٩٤. و شارك الكثيرون في حركة الاحتجاج الواسعة ضد تعذيبه و قتله، وتم اعتقال أعداد منهم. كان المحتجون من تيارات و معتقدات مختلفة و متناقضة، و من بينهم البعض ممن تشير بطاقاتهم الشخصية إلي أنهم مسيحيون. وقتها لم يعن لأحد الحديث عن هذا التنوع في حركة الاحتجاج، التي كانت بديهية و مبدئية.
لكننا الآن لسنا في التسعينات، و "سيد بلال" الذي أعتقد بأنه لم يمت علي سبيل الخطأ، لن يكون "عبد الحارث مدني"، ومثلما أشار بعض الكتاب، لن "تسح عليه دموع الوطن"، مثلما "سحت" علي ضحايا سيدي بشر (و كأن المطلوب في المولد المقام حاليا هو "سح الدموع"). و لن تتحول حالته كذلك إلي حالة "خالد سعيد". فشواهد كثيرة تشير إلي أنه تم اتخاذ قرار "بارد" من قبل إحدى الجهات بقتل أحد السلفيين بالإسكندرية، و بأن ينتشر الخبر، و يصاحب انتشاره هذا الإحساس بأنه لم يكن خطأ.
و ليسمح لي القارئ بأن أعبر عن إعجابي بأداء الجهاز الأمني و السياسي للدولة، علي مستوي التخطيط و التنفيذ، و لنتأمل هذه التفاصيل سويا:
بعد أقل من ٢٤ ساعة من التفجير، يعلن رئيس الدولة بأن الأمن مسئوليته الأولي، و يتم الحديث عن انتحاري، و هو ما يمكن أن يعني بأننا لن نعرف من هو الجاني المباشر في هذه الجريمة!! فهل تتوقف المسئولية عند مستوي التكهنات؟
في نفس اليوم – الأول من يناير - يقدم "محمود سعد" برنامجه المسائي، مباشرا، من أمام الكنيسة التي تم استهدافها. من شارع تم تنظيفه. لن أتحدث هنا عن غياب اللياقة، و الاستفزاز البالغ الذي يحمله هذا البث المباشر، و عن هذا "الأنتريه" الأبيض الفاخر و ملابس و كرافتات المدعوين الفاخرة. و لكن، أليس "مسرح الجريمة" هو مكان عمل المتخصصين في المعمل الجنائي؟ في لبنان الذي من الممكن أن ندعوه أدبا، بالدولة الصغيرة، تم إغلاق مكان إغتيال رفيق الحريري (سان جورج) أكثر من عام كامل!!
بعدها بعشرة أيام ينتشر خبر سيد بلال، و كذلك خبر اكتشاف أشلاء فوق سطح المسجد. الدولة الأمنية مرة أخري تدهشنا، و تجعلنا نتعجب كيف لم يفكر أي من مسئوليها بمعاينة مكان يبعد أمتار قليلة عن مكان الانفجار!!
أعتقد بأنها الفوضي الخلاقة، و بالذات ما يخص "سيد بلال"، كرسالة من السلطة للجميع، و مضمونها (المولد لازم ينفض).
رسالة لرئاسة الكنيسة بأن الدولة لن تقدم لها صورة للجاني، و بأن عليها العمل علي عودة رعاياها "للحظيرة" الكنسية، فقد تم تقديم ضحية موازية، و بأن هذه الكنيسة لن تنال مطالبها الصغيرة التي تود كسبها في خضم المولد.
رسالة إلي القطاع المسلم من المجتمع، بأن عليه الغضب بعض الشئ لاغتيال سيد بلال، علي صفحات الجرائد و "الفيس بووك"، فهو توازن مطلوب و ضروري مع الحركة الاحتجاجية للأقباط و المتعاطفين معهم.
و الأهم أنه رسالة لـ "قادة الرأي" من أجل حشد الماكينة الإعلامية. و لنراجع خطاب الكثير من الكتاب و الإعلاميين، الذين قاموا بتغيير الاتجاه سريعا، من خطاب طائفي يتحدث عن إعطاء بعض المزايا و الحقوق للمسيحيين، دون الخروج من مأزق (الأنا و الآخر)، ليتحول إلي خطاب طائفي أكثر فجاجة، يستخدم مصطلحات من قبيل: الفرنجة، الغرب الصليبي، مصر بلد مسلم "غصبن عنكم"، ضرورة "سح" الدموع علي سيد بلال و شهداء المسيحيين و شهداء مركب المنيا، إلخ.
الموالد كالزلازل، لها توابع تنهي الزلزال نفسه. و مولد الوحدة الوطنية بدأ في الانفضاض حين قررت السلطة أن ينفض. و هذا سبب إعجابي بأدائها، فهي تعلم جيدا خطورة خروج المسيحيين من الكنيسة و اندماجهم بالحركة الديمقراطية و الوطنية من أجل مجتمع عادل، ديمقراطي و علماني، يضمن حقوق كل مواطنيه بمختلف معتقداتهم، و يسمح لهم بتغيير حياتهم خارج حظائرهم الدينية المغلقة.
إحراق الخطوط الحمراء
يحلو للبعض، و بوعي، تسمية انتفاضة الشعب المصري "بالأزمة". ناكرين عنها صفة الانتفاضة أو الثورة الشعبية مثلما يسميها آخرون.
إن كانت تسمياتنا نحن لما يحدث بانتفاضة أو بثورة منطلقها أحيانا الوعي أو الاِنفعال، إلا أن مصطلح "الأزمة" تتم محاولة فرضه بوعي كامل و لأسباب سياسية. يفرض بالمنطق المصري الشعبي: (أزمة و هتعدي). علي اعتبار أن الأزمات يتم حلها بالحوار. المنطق الشعبي ذاته يفترض أنه لحل أزمة بين طرفين ينبغي عليهما ألا يتجاوزا الخطوط الحمراء، المستقرة بينهما. حتي يكون هناك دائما مساحة للتراجع، للحوار، و "التصالح".
بعد أسبوع من الإقامة الدائمة في ميدان التحرير، إقامة تعني المشاركة في الانتفاضة وليس "الفرجة" عليها، في هذا الميدان و الذي يعد فقط رمزا للانتفاضة/للثورة المصرية، و رمزا لشرعية جديدة، أجد أن مشاهداتي و مشاركتي تحسم بالنفي، و بشكل حاسم احتمالية أن تكون أزمة.
فكلا الطرفان، النظام و الانتفاضة الشعبية قد تجاوزا الكثير من الخطوط الحمراء. النظام تجاوز و أحرق الكثير من الخطوط الحمراء قبل ٢٥ يناير، علي سبيل المثال فقط، ما نشر قبل ساعات من كتابة هذا النص، حول تورط الداخلية ووزيرها في حادثة كنيسة القديسين.
أما عن الخطوط الحمراء التي تم تجاوزها بعد ٢٥ يناير من قبل النظام، فمنها استخدام القمع و العنف في أعلي مستوياته ضد المتظاهرين، إطلاق الرصاص و قنص الشباب في عدة مناطق و من بينها "معركة" وزارة الداخلية الشهيرة، استخدام البلطجة ضد جموع المعتصمين بميدان التحرير خلال محاولات اقتحامه،اختطاف النشطاء و إرهابهم، التلاعب الحالي بالدستور من قبل بقايا نظام مبارك، عمل التغيرات السريعة - التيك أواي - في بعض المناصب سواء في الدولة أو حزبها. و بالطبع لا يجوز تجاهل نزول الجيش للشوارع، حظر التجول، اغتيال السجناء السياسيين، إطلاق الجنائيين و استخدامهم بالتعاون مع عناصر الأمن في إرهاب المواطنين في بيوتهم، وسياسة العقاب الجماعي التي تمثلت بشكل أساسي في التجويع.
هذا عن بعض الخطوط الحمراء التي حرقها و تجاوزها النظام في معركته لإجهاض الانتفاضة. ماذا عن الخطوط الحمراء التي تجاوزها المشاركون في ثورة يناير؟ أعتقد أن جزءا هاما منها كانت للرد علي إجراءات النظام. تمثلت في إجهاض الشحن الطائفي بشكل كامل، و لنتأمل كيف شارك المسيحيون و المسلمون في ااإنتفاضة، و تجاهلهم شبه الكامل للفتاوي المؤيدة لمبارك و نظامه، سواء كان مصدرها الأزهر، دار الإفتاء أو البابا شنودة. لأول مرة نري في وسط العاصمة المواطنين، الذين لم نتصور أن لهم علاقة بالسياسة من قبل، يقولون لك بكل بساطة أن هذه السلطات الدينية لا تمثلهم و إن هذه القيادات الدينية مجرد موظفين لدي النظام.
خطوطنا الحمراء المحروقة كانت كتابة شعارات إسقاط النظام علي دبابات النظام نفسه، إحراق أقسام الشرطة التي كانت متخصصة في إهانة و تعذيب المواطنين قبل ٢٥ يناير، احتلال ميدان التحرير و الشوارع المحيطة به في وسط المدينة من قبل المنتفضين و تحويله لما يشبه المنطقة المحررة، عمل المتاريس و استخدام المولوتوف للرد علي مولوتوف و رصاص النظام، التنظيم الداخلي الحر لاعتصام التحرير. إلا أن أخطر الخطوط الحمراء التي فرضها النظام من قبل و تم إحراقها في شوارع مصر، كانت التوافق التام، و التعاون بين جميع القوي السياسية الفاعلة (لا أقصد هنا الأحزاب الشرعية طبعا) علي هدف واحد دون أي تشتت، و هو إسقاط النظام.
دون نسيان التعايش الغني بين أنماط حياة متعددة و مختلفة، و تبدو كأنها متناقضة. و التحام كل هؤلاء بالجسم الفاعل و النشط للانتفاضة، و هو شباب المناطق الفقيرة. ورفض الجميع للنظام بكامله و لدستوره، باعتباره لا يعبر عنهم.
هذه هي فقط بعض الخطوط الحمراء، التي حين نتجاوزها أو نحرقها فإنه ليست هناك رجعة للوراء. علي أحد طرفي الصراع تحقيق انتصار واضح و حاسم علي الطرف الآخر. إن لم يحدث هذا الانتصار فإن أزمات كثيرة و جديدة سوف ترحل للمستقبل، مسببة معضلة إجتماعية غير قابلة للحل.
أعتقد بأن الطرف المؤهل للانتصار هو الانتفاضة. شبابها و شيوخها و معهم كل أطياف المجتمع المصري. الانتصار هنا ضروري مجتمعيا و هو الاختيار المنطقي و الوحيد. و لأقدم اعتذاري هنا لجميع (الحكماء) المتجاهلين للخطوط الحمراء المحروقة و دلالاتها.
موسم الهجرة إلي ماكدونالدز
موسم الهجرة إلي ماكدونالدز
منذ أيام فقد المئات من الفقراء الأفارقة حياتهم، خلال مغامرتهم للعبور نحو هذا الشمال، مستخدمين الساحل الليبي. و هو ما سيتكرر المئات من المرات خلال الصيف القادم، عبر المحاولات الأبدية من أجل الوصول إلي الساحل الإسباني، أو الإيطالي، منطلقين من ليبيا، المغرب العربي، أو السنغال. العداد سوف يستمر في التسجيل ليحول الجثث، الأسماء، و القصص لمجرد أرقام مشكوك في دقتها.
منذ أعوام رسم أحد الرسامين الإسبان الساحل الأوروبي واضعا عليه علم سلسلة المطاعم العالمية ماكدونالدز، تذكرت الكاريكاتير منذ أيام، عندما أخبرني أحد منتجي الأفلام التسجيلية، بإعجاب بالغ بذاته و توجهاته الإجتماعية، عن التمويل الضخم الذي يحصل عليه من أجل عمل أفلام يتم إستهلاكها في العالم الثالث، موجهة جميعا رسالة واحدة "عفوا أعزائنا الفقراء، الجنة ليست هنا، فلا تهاجروا إلينا". هل هذا التوجه مناسب لهذا الكاريكاتير!! هل هناك من يخاطر بحياته في قوارب الموت الشهيرة من أجل ماكدونالدز!!
إذا تركنا مؤقتا أوروبا، لنعبر المحيط الأطلنطي إلي نيويورك، فسنجد أن مسألة أن تنجوا بحياتك و أنت تعبر الحدود، لا تشكل أي ضمانة، فمن الممكن أن تُقتل علي يد مهاجر أخر، يعاني من العزلة، مثلما حدث منذ أيام، أو أن يقتلك أحد المجانين أو العنصريين.
و عودة إلي أوروبا، فأن السود بالنسبة للأوروبيين ليسوا سواء، فهم مختلفين، و لكن بالنسبة للخطاب العنصري، فهم أحيانا متساويون، و ليس دائما. أحد الصحفيين الإسبان الشهيرين من المنتمين لتيار الوسط، و المدعو دائما إلي أحد أكثر البرامج جماهيرية بالتلفزيون، لم يتردد منذ أيام أن يعبر عن إندهاشه بأوباما و إعجابه به، قائلا "أخيرا وجدنا شخص أسود ذكي"!!!
نفس الفئات الإحتماعية التي تتبني الخطاب العنصري، هي نفسها المعجبة منذ عشرة أعوام بأغنية مانو تشاو التي يقول بها "حين يحضر الجوع... يرحل الرجل... دون أية أسباب إضافية... فمتي نراه عائدا فوق الطريق؟"
و هي ذاتها نفس الفئات التي تؤيد قرار السلطات بأحد القري الإيطالية "فوجا" بتخصيص أتوبيسات للنقل العام فقط للمهاجرين، و ليس للجميع!!! و بالمناسبة فأن عمدة القرية المنتمي ليسار الوسط و الأمم المتحدة أيدوا القرار. الفصل العنصري هنا يتم بحجة السلام الإجتماعي، ملتقين مع برنامج الحزب الشعبي الإسباني الذي يهدف إلي أن يوقع كل المهاجرين عقد يلزمهم بإحترام العادات و التقاليد الإسبانيه وتعايشهم معها!!
في ميليية، المستعمرة الإسبانية داخل الأراضي المغربية، أدهشني الحاجز الهائل الذي يحمي المدينة من المهاجرين غير الشرعيين، و الذي لا يمنع هؤلاء المهاجرين القاطنيين العراء، بالتلال المحيطة، من أن يشاهدوا من بعيد ماكدونالدز الإسباني/الأفريقي.
حق الرؤية مضمون، ففي الصيف الماضي نُشرت أحدي الصور للشاطئ الإيطالي، يوم مشمس، الكثير مستلقين أمام البحر، و منهم أحدي الفاتنات العاريات التي تستمتع بالشمس، و ما تمنحه لجسدها من لون أسمر، بينما علي بُعد عدة أمتار تستلقي جثة أحد المهاجرين التي قذفها البحر، و هنا تجد نفسك حائرا، أتوجه نظرك لجسدها الفاتن أم إلي الوجه الغاضب لهذا الأفريقي الميت.
مشهد يتناقض مع ردة فعل المستجمين علي أحد شواطئ العراة في جزر الكاناريا منذ أعوام، و تمت إذاعته بالصدفة علي التلفزيون بعد أن قام بتصويره أحدهم، حين وجدوا أنفسهم فجأة أمام العشرات من الناجين من أحد قوارب الموت، فيقومون بمساعدتهم، إسعافهم، و إعانتهم علي الهرب من الشرطة.
لأول مرة سأدعي إمتلاك الحل، و لأقدمه كهدية مجانية للأنظمة الأوروبية الديمقراطية، و هو يشتمل علي جانبين، الأول هو إلغاء أحد بنود الإعلان العالمي لحقوق الإنسان – من الأفضل إلغاءه كاملا – و هو البند البليغ الذي يتحدث حول حق البشر في الإنتقال، السفر، و حرية إختيار مكان الإقامة و العيش. فهو برغم بلاغته مناسب فقط للفترة التي إحتاجت خلالها أوروبا للأيدي العاملة الرخيصة من أجل إعمارها و إنمائها.
أما الجانب الأخر من الحل الحاسم "للمحنة الأوروبية" فهو ألا يتم إستهلاك الأموال في عمليات إنقاذ هؤلاء الفقراء حين يتعرضون لخطر الغرق، أو في مراقبة سواحل بلدانهم، بل تركهم يغرقون عقابا لهم و عبرة للأخرين، و حين يتم القبض علي الناجين الملاعين، فيجب إجبارهم علي العودة إلي بلدانهم في مراكب أكثر هشاشة من المراكب التي أتوا بها، أو العودة مشيا علي الأقدام إذا كانوا من الهند، باكستان، أو الصين.
باسل رمسيس
بائع الورد الخائن
بائع الورد الخائن
أثناء لقائي مع بعض الأصدقاء في أحد مطاعم مدريد، بعد منتصف الليل، أتوقف عن الحديث فجأة، لأشير إليهم أن هذا الرجل الأربعيني الذي يبيع الورد علي بعد خطوات، هو من المؤكد مصري. كانت المرة الأولي التي أراه، و لكن شيئا ما من ملامح وجهه، إبتسامته، وطريقته في المشي أعطتني هذه الثقة بأنني أمام مواطني. سألته بعاميتنا إن كان مصريا، و يجيبني بنفس العامية بأنه عراقي، وبأنه عاش أعوام عديدة في مصر بعد نهاية الحرب قبل الأخيرة، و لذلك يتقن عاميتنا. بعد خمس دقائق من الحديث حول الحي الذي عاش فيه، يعترف لي قبل المغادرة، و بصوت خافت (خوفا من أن يكون هناك من يعرف لغتنا) بأنه مصري و أسكندراني. و أمام دهشتي لإنكاره بأنه مصري، يوضح لي أنه يقول بأنه عراقي لأن: (ده بيمشي أكتر مع الزباين، بصعب عليهم لما بقول أني عراقي).
صديقي (الخائن) وفقا لرئيسنا العظيم، إذا كان الرئيس هو من يكتب هذا المقال، يتنكر لوطنه العظيم الجائع، لينتسب كذبا لوطن أخر عظيم و مذبوح. هو يعرف دون أن يقرأ أي تحليل - عميق أو سطحي - حول المجتمعات الأوروبية أو إسبانيا و علاقتها بمسائل الهجرة، أن الفرق وارد، قائم، و أحيانا حاسم لتلقي معاملة ما دون غيرها.
في إسبانيا، أن تكون مغربيا أو جزائريا، هو وضع مختلف جذريا عما إذا كنت مصريا، أو عراقيا. الجوع يوحد الجميع، إلا أن الجوع و فقط ليس مأساة كافية. درجة تواجد و حجم الجالية تفرقهم، فإذا كثرنا فنحن مرفوضين، مثلما هو الحال بالنسبة للمغاربة و الجزائريين. و إذا كنا من بلاد النيل، التي لا يعرف عنها أغلب الإسبان سوي بعض لمحات من تاريخها الفرعوني البائد، فأنت مقبول بدرجة أكبر، و تثير حولك بعض الجاذبية و الإثارة. أما إذا كنت من العراق، فأنت مسكين، فالحرب التي صنعها الغرب ذاته تميزك و تعطيك بعض العطف. الحرب نفسها مختلفة، فليست هي ذات الحرب إن كانت في فلسطين، أو في لبنان، فالفلسطيني و اللبناني إن لم يكونوا مسيحيين، فهم من المحتمل أن يكونوا إرهابيين، بالمعني المبتزل للكلمة. يضاف في الحالة العراقية لدي الإسبان، هذا الشعور المبهم بالذنب، لمشاركة حكومتهم السابقة في الحرب، و إحساس بالقرب و التعاطف، لمجرد أن رئيس الوزراء الذي ينتمي للحكومة الجديدة سحب القوات الإسبانية من العراق.
لن أتحدث الأن عن التمييز في المعاملة في حالة النساء المهاجرات، فهذه قصة أخري، و لكن فقط آذكر القارئ بما نعرفه جميعا، بأن المرأة المهاجرة المحجبة تختلف بشكل كامل عن تلك التي لا ترتدي الحجاب، حتي و إن إرتدت الأثنتين جينز ضيق.
و عودة لهذا الشعور المبهم بالذنب، و الذي يتواجد لدي الفئات غير الفاعلة ثقافيا أو سياسيا، سوف يخفت و يتراجع بعد بضعة سنوات، ليترك صديقي بائع الورد المتجول دون بعض القروش. سوف يتراجع بمنطق أم كلثوم فالوقت قادر علي محو الألم. تراجع و إنتهي بالفعل تجاه المستوطنات السابقة في بعض مناطق أفريقا، الفلبين، و كذلك في أمريكا اللاتينية. جرائم الحقب الإستعمارية، إبتعدت، تم نسيانها، و تحولت في الخطاب الرسمي و الشعبي إلي وضع جديد، تسمي فيه إسبانيا بأنها الوطن الأم.
لا أستطيع نسيان الكولوبي المهاجر في مدريد، و الذي قال مرة: (حين يتم الحديث عن إسبانيا في أمريكا اللاتينية يتم الحديث عن الأم، عن الوطن الأم، و لكنك حين تأتي لها تكتشف إنها أم سيئة، تهجر أبنائها و تسئ معاملتهم). و أضيف أنا هنا: بعد أن إمتصت دمائهم.
حين يتم الحديث في الأوساط الأكاديمية عن أسباب الهجرة، يتم التركيز علي أسبابها التقليدية و الشائعة، مثل الجوع، فقدان الأمان، الإضطهاد العنصري، غياب الديمقراطية، و الحروب. و لكن أحيانا يتم تجاهل الإستغلال المكثف الذي تمارسه الشركات الكبري الأتية من الشمال لموارد و ثروات هذا المسمي بالعالم الثالث، و إستغلالها أيضا للحروب الأهلية إن وجدت. و يفاجئك إنكار بعض هؤلاء الأكاديميين إلي أن الأستعمار قد شوه المسار الطبيعي لتطور المجتمعات المُستعْمرة، و أن جرائم الشمال الغني تلتقي مع جرائم حكامنا في دفع الملايين للهرب.
العنف هو الحرب و فقط، و كأن تصدير الفقر، الإستغلال، و سرقة مجتمعات أخري ليس عنفا. و الجوع هو مأساة (معتدلة و مقبولة نسبيا) لا تصلح لنا الأن كمبرر. و بما أنني قلق علي مصير صديقي بائع الورد، فأنني لن أعارض إن إجتاح حلف الناتو أحد البلدان، التي تناسب ملامحه المصرية، بعد أن يُجبر علي أن يتوقف عن كونه عراقيا، و يفسد الورد الذي يحمله.
باسل رمسيس
الطائفية و تهافت اليسار البردعاوي
الطائفية و تهافت اليسار البردعاوي
تكفي المتابعة الدؤوبة لإكتشاف أن التيار الأسرع و الأكثر إثارة للصخب في تأييده للدكتور البرادعي في معركته، هو ما تبقي من اليسار المصري، و معذرة لإستخدام مصطلح "التبعية"، تبعية هذا اليسار لهذه الشخصية و هذه المعركة دون شروط. الموضوع لا يحتاج إلي جهد خاص أو أن تكون من المتخصصين في الشؤون السياسية، فمن الكافي تأمل صفحات الإنترنت، الجرائد و قراءة أسماء المجتمعين بالبرادعي.
المقصود هنا باليسار هو اليسار الماركسي أو الإشتراكي، و من يلتفون حوله من مثقفين ذوى توجه يساري و تقدمي. بالطبع ليس هناك ضرورة لسياق الشواهد التي تؤكد علي أن هذا التيار هو نفسه الأكثر هامشية و ضعفا في المجتمع المصري الآن. و أنه يأتي في ذيل قائمة تضم التيار الإسلامي (المنافس الأساسي و المتاح لنظام مبارك)، الليبراليين و الوفديين (المستندين إلي تراثهم التاريخي)، و أخيرا التيار القومي العربي، الذي برغم ضعفه التنظيمي، و الذي لا يختلف كثيرا عن حال اليسار، إلا أنه و علي المستوي الجماهيري لديه وجودا أكبر، بسبب بقاء زعيمهم التاريخي جمال عبد الناصر حاضرا في أذهان ووجدان قطاع هام من الشعب المصري. بينما اليسار يرتبط في أذهان القطاع الأوسع من المجتمع المصري بانهيار المنظومة الإشتراكية، و فساد و تحلل النماذج المتبقية ككوبا أو كوريا.
هذا التهافت اليساري البردعاوي، هو الأقرب تشبيها للحالة التي خبرناها جميعا وقت المراهقة، و التي تتواجد في كل المدارس الإعدادية و الثانوية، حيث يكون التلاميذ الأضعف جسديا و نفسيا، هم عادة الأسبق في محاولة صداقة التلاميذ ذوي القوة البدنية. الدافع واضح، و هو الرغبة في الحماية و الإحساس بالأهمية و عدم العزلة، حتي و أن أدي الأمر لتكون تابعا أو حتي "صبيا" لزميلك الأقوي.
أعتذر لكل الأصدقاء من كل المجموعات اليسارية المؤيدة للبرادعي، و المشتبكة مع معركته علي هذا التشبيه. إلا أن المثير للتساؤل هو كيفية إختفاء نقطة جوهرية، طالما ما شكلت نواة أساسية في مناقشات اليسار خلال قرن كامل من تاريخه، و هي الخاصة بأنه إذا كنت ضعيفا و مهمشا فعليك أن تقوم بتأسيس قواعدك و مرتكزاتك، و العمل المتأني و البعيد عن الأضواء وصولا لتأسيس حركة فاعلة، لها القدرة علي التحالف مع قوي أخري، من أجل فرض هذا التغيير الذي يتحدث عنه الجميع الآن. هذه المفصلية اليسارية يبدو إنها غابت تماما عن التيار البردعاوي، في ظل سيادة حالة الضعف و الهشاشة و التهميش البالغة الحاصلة الآن.
منذ عدة أيام نشر بيان بأسم "يسار مؤيد للبرادعي"، في هذا البيان تمت الإشارة لمحتوي إجتماعي و تقدمي لحركة البرادعي، و هو ما يبرر - وفقا للبيان - بالإضافة لأسباب أخري، دعم اليسار للبرادعي و المشاركة في معركته. بعدها بساعات قليلة و من خلال هذه النافذة المسماة "الشات"، أخبرني أحد الأصدقاء بأنه شارك في صياغة البيان. فطلبت منه أن يرسل لي ما قاله البرادعي حول مسألة التغيير الإجتماعي و العدالة التي يشيرون إليها، فكان رده هو التالي: (هو في الحقيقة مقالش حاجة، هو بما إن الكلام مش بفلوس، هو قال في التلفزيون أنه معجب بإشتراكية الدول الإسكندنافية). هنا تأكد لي أن عدم علمي بأي توجه إجتماعي و تقدمي للبرادعي، كما يشير قطاع من اليسار، ليس بسبب جهلي ووجودي بعيدا عن مصر آلاف الكيلومترات. و أن المشكلة تكمن في منطقة أخري، هي رغبة هذا اليسار الضعيف للحماية و الحركة، و إلي أي نوع من التواجد، حتي و إن إنطلق من أوهام. و عدم الرغبة في طرح التساؤلات، و إن كانت بسيطة من نوع مدي إشتراكية الدول الإسكندنافية، أو عن الإختلافات ما بين واقع مصر و تاريخها، عن الدول المشار إليها. و إن كان الثمن هو إنتخاب البرادعي مسبقا كمرشح التغيير و الديمقراطية، دون سؤاله عن تاريخه و برنامجه.
الصورة إتضحت لي أكثر حين علقت إحداهن قائلة: (البرادعي عمل حالة لطيفة جدا و كلها حركية فلازم نتفاعل معاها يا زميل).
هذه التهيؤات – ولا أقول الإنتهازية - هي التي تدفع القوي المؤيدة للبرادعي لإستخدام إشارات طائفية علي أمل إنها تفيد "المعركة"، و الرجاء مراجعة الصفحة الأولي من جريدة الشروق ليوم ٢٩ مارس. حيث يتم وصف النشطاء شكري عازر، أمين إسكندر، و جورج إسحق بأنهم قيادات قبطية. مع عدم الإشارة لتياراتهم، فلم يتم وصف الأول بالمناضل الشيوعي، أو الثاني بالقيادي الناصري، أو الثالث بصفته في حركة كفاية. و لن أتساءل هنا مثلا عن أخر مرة قام فيها الدكتور شكري عازر بالصلاة في الكنيسة، حتي يقوم بدعوة البرادعي للكتدرائية من أجل قداس عيد الميلاد. فهل ستأتي ساعة يتم وصف الكاتب علاء الأسواني بالقيادة المسلمة أو الكاتب المسلم؟ فيما يخصني، و لإضفاء بعض الفكاهة لما هو حاصل، فأنني أعلن بأنني سوف أحل دم من يصفني في يوم من الأيام بالناشط القبطي. فهل كان جورج حاوي، قائد الحزب الشيوعي اللبناني ليقبل بوصفه قائد مسيحي؟ رغم وجوده في سياق نزاع طائفي. أو كان يوسف درويش – أحد مؤسسي و قادة الحركة الشيوعية المصرية حتي وفاته عام ٢٠٠٦ – ليقبل بوصفه بالقائد اليهودي؟
سابقا، زمن يوسف درويش و جورج حاوي، كانت القيادات اليسارية و الشيوعية تنتقد ما كان يطلق عليه "لعبة الطواقي" بمعني تحول الناشط اليساري إلي ماكينة تتحرك في أجواء شديدة الإختلاف، نفس الشخص اليساري موجود في الجامعة، الإجتماع العمالي، و منظمة حقوق الإنسان. و هو في كل المرات يحتفظ بهويته كيساري إلا أن يغير "الطاقية" وفقا للمكان المتواجد به، فمرة يلبس طاقية اليساري الطالب، المرة الثانية هو اليساري الملتحم بالحركة العمالية، و الثالثة هو اليساري المندمج مع حركة حقوق الإنسان. الهوية الأساسية لم تكن تتغير وقتها، و هو ما يثير الدهشة الأن من تغيير الهوية السياسية بأخري، و هي الدين الموجود بالبطاقة، بغض النظر عن إيمان الشخص بهذا الدين من عدمه. أليسوا علمانيون علي أقل تقدير؟
خلال الثمانينات و التسعينات حيث كانت متاحة بقايا التنظيمات الشيوعية السرية، ضمت اللائحة الداخلية لبعض هذه التنظيمات إشتراط بأن يقوم الشيوعيين الراغبين في الإنضمام للحزب أو التنظيم، و كانوا من ضمن الحركة الشيوعية الثانية، و التي إنتهت عام ١٩٦٥، بأن ينتقدوا بوضوح جريمة حل الحزب الشيوعي المصري، التي تمت نفس العام المشار إليه، حتي يتم قبول عضويتهم بالتنظيم. أي أنه كان عليهم إستنكار و رفض جريمة إرتكبت قبل عشرون عاما، سواء شاركوا فيها أم لا.
أتمني ألا تتضمن لائحة التنظيمات التي ستأتي بعد عشرين عاما بندا يقول: (إستنكار جريمة المشاركة في معركة البرادعي). الأمنية هنا ليست نابعة من عدم الرغبة في وجود التنظيمات بالطبع، بل هي أمنية ألا تتحول معركة البرادعي لكارثة جديدة تقضي علي كل المتبقي.
باسل رمسيس
تسييس الثورة أو تثوير السياسة
شاهد أغلبنا هذا المقطع المصور يوم ٢٨ يناير، عائلة صغيرة في ميدان التحرير، يسيرون باتجاه الكاميرا، في خلفيتهم، علي المدي البعيد، حشود الأمن المركزي. دخان قنابل الغاز يمنح الصورة لونا رماديا، لكنه لا يمنع عنا ملاحظة أنها عائلة فقيرة. في المقدمة يسير الأب ذو اللحية الطويلة، ممسكا بيد الابن الذي لم يتجاوز السنوات العشر، وراءهما تسير الأم المحجبة، ممسكة بيد الابن الأصغر. لا يلتفتان للقنابل المتساقطة بقربهما، ويتقدمون بثبات. الطفل الأكبر يحاول أن يمسح دموعه، ربما تكون من فعل الغاز أو الخوف، بينما الأم بحزم وبغضب، وبكبرياء بالغ، تأمره: (متعيطشي… خليك راجل… خليك راجل عشان محدش يدوس عليك)!!! بالرغم من هذا الربط الشائك بين عدم البكاء والرجولة، فإن كلمات الأم، مع هذه الصورة، لم تمنع عني مشاعر الألم والفخر في كل مرة كنت أشاهد فيها هذا المقطع. فيما عدا المرة الأخيرة، فمبررات البكاء كانت هي ذاتها، الألم والفخر، ولكن أضيف إليها شعور واضح باحتمال الخسارة. ربما يكون الإحساس بالخطر، في ألا يتمكن هذا الطفل من العيش بكرامة، أن يداس وتتم إهانته، فيجلس مع زوجته عند الأمسيات، بعد ثلاثين عاما، ليحاولا تدبير كيفية إطعام أولادهما، بالجنيهات القليلة التي يملكانها.
تذكرت هذا المشهد حين كنت أتابع أخبار الإفطار الإخواني السنوي، وخصوصا ما يخص قائمة “الثوار” الذين تمت دعوتهم – السيد البدوي علي سبيل المثال. تأملت قطاعا من نخبتنا السياسية الجديدة، نتاج ثورة يناير، متسائلا عن إمكانية أن يحقق هؤلاء الكرامة لهذه العائلة. إلا أنه، وللأمانة، لم يكن التساؤل الوحيد، بل استوقفني غياب المجلس العسكري عن هذا الإفطار!!!
غياب الجنرالات ربما يعود لأحد هذه الأسباب: أن العسكر “الأذكياء والمحنكين” لم يذهبوا للإفطار لنفي تقاربهم وتحالفهم مع الإخوان. أو أنهم كانوا مشغولين بإفطار آخر يتم مع مواطنين، أو فلول، أو ثوار، (حسب التقسيمة الحالية للمجتمع المصري). أو أنهم بوصفهم قادة الثورة والوطن، كانوا مشغولين باستكمال مهام هذه الثورة وتأمين حياة عادلة للمواطنين. من المحتمل أن يكونوا في اجتماع تشاوري حول المواد الغذائية التي تباع عبر الجيش، بأسعار مخفضة في المناطق الشعبية، وكأنها هدية من المجلس العسكري الحاكم، تم إنتاجها في مزرعته الخاصة وبجهده الخاص. ربما هم لا يصومون أصلا، ويكرهون فعل الإفطار، ولذلك قاموا بفض إفطار التحرير قبل يومين، وضرب الصائمين الذين حاولوا الإفطار سويا، فلن يذهبوا بالتالي لإفطار الإخوان!!! في هذه الحالة الأخيرة ينبغي السؤال حول السبب في عدم فضهم لإفطار الإخوان بالقوة؟ هل السبب هو أنه قد تمت دعوتهم لإفطار الإخوان فلم يلبوا الدعوة كاتمين غيظهم، ولم تتم دعوتهم لإفطار ميدان التحرير، فغضبوا وانتهزوا الفرصة لإفساده وضرب المشاركين به؟
في هذه الحالة، النصيحة واجبة: عزيزي الثوري، قبل أن تقوم بأي فعل، عليك مراعاة كل أطياف المجتمع المصري، تستأذن الفلول والسلطة وتدعوهم لهذا الفعل أو المناسبة، لا تشغل الحيز العام دون موافقة كل القوي السياسية، من أكبرها لأصغرها، حتي لا تتهم بالخروج عن الوفاق، وأخيرا عليك أن تؤكد للشعب أنك لن تنتقص من استقراره.
بعيدا عن السخرية، هل هذه هي النتيجة التي وصلنا إليها بعد ستة شهور من الثورة؟ في أحد المؤتمرات، ألقي “إيغناثيو رامونت” – رئيس التحرير السابق لجريدة “لوموند” الفرنسية، وأحد أبرز مفكري تيار مواجهة العولمة – محاضرة تحدث فيها كثيرا عن الثورة المصرية، وأطلق نصيحة، قائلا: (علي الثورة المصرية أن تستولي علي أجهزة الإعلام المملوكة للدولة، وتطهيرها تماما، حتي لا تكون الثورة مرهونة بأجهزة الإعلام المستقلة، وبمصالح رجال الأعمال الذين يمتلكونها). لم ألتفت كثيرا لهذه النصيحة، بدت لي غير جوهرية، رددت عليه بأن (الثورة الآن في الشارع، وهذا هو الأهم). فقال: (الشعب لا يستطيع التواجد في الشارع طويلا، ومن الضروري أن يستمر الزخم الثوري لإنجاز كل مهام الثورة، وأحد شروط استمراره هو هذا الاستيلاء علي الإعلام)!!! كان هذا الحديث في شهر إبريل، بعد أربعة شهور، ثبتت صحة تصوره، وسذاجة تصوري. فعملية تسييس وابتذال الثورة تسير قدما علي جميع المستويات.
التسييس المقصود هنا هو تحويل الثورة لأداة للمكسب السياسي، الحزبي والانتخابي. ابتذالها في كثرة الأغاني والإعلانات التي تستخدمها كموضوع. صناعة رموز ونجوم جدد، لا تعرف عنهم أو عن تاريخهم شيئا. العشرات من الائتلافات واللجان التي تحمل جميعها أسم “الثورة”، يذهبون للسيد شرف أو للمجلس العسكري ليعطوه أسماء مرشحيهم لحركة المحافظين أو للوزارة. تحويل محاكمة المخلوع، التي ينبغي بالطبع الانتباه إليها، إلي جوهر وهدف العملية الثورية، وكأن الثورة قد قامت من أجل محاكمة المخلوع لقتله الثوريين المشاركين بها!!! تحالفات تُصنع وتُفض، ورشاوي انتخابية خلال رمضان، وقبل شهور من الانتخابات. بحر عارم من الحوارات و”المكلمات”، تتزامن مع ترسيخ تقسيمات غريبة (حزب الكنبة، الشعب، الثوار، والفلول) وعليك الانتماء لإحداها. أحزاب ورقية، لعبت دائما دور الكومبارس عديم الموهبة وقليل المبدئية، تسترد الآن عافيتها، وكأنها هي من قامت بالثورة وقادتها. تجاهل من السلطة للمطالب الشعبية والمساومة عليها، وحين تتحقق، لا تتحقق كاملة. إنهاكنا بمعارك جانبية وهامشية طوال الوقت: مقاطعة شركة تليفونات، أو موقع إلكتروني، أو الانضمام لصفحة محبي حازم عبد العظيم بعد منع الوزارة عنه، أو صفحة “الراجل أبو طاقية حمرا اللي بيحب يسلم علي المجرمين”. تصوير الشباب المتمسك بحقه في التظاهر والاعتصام والاحتجاج، وكأنه المسئول عن الكوارث المجتمعية والاقتصادية وغياب الأمن، بسبب افتقاده للحكمة. حرب نفسية وسياسية ضد حق الإضراب، وإنكار أنه كان السلاح الحاسم في هزيمة مبارك، وتصويره كأنه جريمة في حق الوطن. الآلاف من المقالات “الحكيمة ذات البعد السياسي المستقبلي”، المنتمية لنفس لغة ما قبل يناير، في حين يخرج عليك من يريد منعك من الكتابة، ويقول لك لا تكتب عن أسيادك!!! ويسار مصري ثوري مشتت في ثلاثة أحزاب جديدة، ولا تعلم تحديدا لماذا هو مقسم بينها، ومبررات هذا الانقسام… (الجملة الأخيرة مهياش هدية لخلية الشتيمة والتحريض اللي تم تكليفها للتركيز علي موقع “البديل”، عشان يسيبوني في حالي، بالعكس، ممكن يفضلوا منتعشين)…!!!
القائمة تطول، وتجعلنا نتساءل، كيف يكون حال هذه العائلة المشار إليها في البداية، الآن، وبعد شهور من الثورة؟ هذه الأم في ميدان التحرير، قالت لابنها: (خليك راجل عشان محدش يدوس عليك). لم تقل له: (خليك راجل عشان تكون وزير أو زعيم حزب). وهذا هو جوهر الخلاف بين التصورين، تسييس للثورة أو تثوير للسياسة. هل المطلوب هو تحجيم الثورة ونقلها للقاعات والغرف والموائد السياسية؟ أم أن علي الثورة أن تتحول لأداة صراع اجتماعي وسياسي، يومي، من أجل مستقبل أفضل؟ هل القضية هي أن يكون الحكم القادم باسم شرع الله؟ أم ببرامج محددة تحقق أهداف الثورة وطموحات الفقراء ممن قاموا بها؟ هل من الضروري أن تكون الغلبة في هذه المرحلة لصوت ابراهيم الهضيبي وأمثاله من كل التيارات السياسية، ممن يتم تحجيمهم الآن؟ أم لمحترفي السياسة وألعابها ومساوماتها؟ هل عليّ الاحتجاج ضد من قمعوا الصائمين حين حاولوا الإفطار في ميدان التحرير؟ أم عليّ أن أصمت كي لا أوضع في القائمة السوداء؟ وبالتالي أخسر مكاسب سياسية محتملة!!!
وكما أن مشهد هذه العائلة في ميدان التحرير، ورغبتهم في ألا يدوسهم أحد، سوف يظل ماثلا ومحوريا أمام الكثيرين، ستظل جملة شاعرنا المتوفي، أمل دنقل، كحقيقة مطلقة، ينبغي كسرها: من يملك العملة يمسك بالوجهين، والفقراء بين بين…!!!
الفقراء ودمهم ومصالحهم هي المعركة الثورية الحقيقية، والخط الأحمر الوحيد. رمضان كريم.
basel@dayraarts.com
domingo, 1 de marzo de 2009
صيد المهاجرين و الخنازير البرية
أعترف "لعزيزي" القارئ بإنني أفضل و أرقي منه، و بما إن لدي هذا الإحساس بالتفوق علي القارئ، فإنني لا أعترض إذا قام مراجعي جريدة البديل بحذف كلمة "عزيزي" التي كتبتها سهوا.
هذا الإحساس بالتفوق منبعه هو إنني أحمل جواز سفر أوروبي، و أغلب قراء هذا المقال لهم فقط جواز السفر الأخضر المسكين لبلد عربي و من العالم الثالث، ليس لديهم حتي جواز سفر إسرائيلي (و هو وثيقة أوروبية أيضا). الشعور بالتفوق ليس منبعه فقط الأمان، الإحترام، و القدرة علي الحركة التي تمنحها لي الوثيقة الأوروبية، حتي خلال تواجدي في وطني مصر، أو في بلدان عربية أخري، متذكرا دائما أغنية: بلاد العرب أوطاني، ما دمت من الشمال الغني.
بعد هذه البداية الصادمة فلنتذكر ما قاله أمل دنقل: من يملك العملة يمسك بالوجهين، و الفقراء بين بين. بقية الحقيقة (المطلقة) هي أن الإحساس بالأفضلية ينبع من إننا – نحن الأوروبيين – نمتلك القيم، المنطق، الديمقراطية، المساواة، النزاهة، التقدم، الحضارة.. إلخ، و هو ما يعني إننا أفضل من الأخرين، حتي فضائحنا فإنها أخطاء فردية و فقط، لا تعبر عن حالة عامة. إنما أخطاء الأخرين، و بالذات من أجناس أخري فإنها فضائح تعبر عن مجتمعات كاملة.
و لن أكتب الأن عن مشكلة لون بشرتي السمراء التي تتناقض مع جواز سفري الأوروبي الأحمر، و لأتمسك بتفوقي الحالي و المزيف تجاه القارئ، و لنتأمل بعض المفارقات:
في نفس الحقبة التي ُتحشد خلالها و حسب الحدث، قوي إجتماعية، مؤسسات حكومية إسبانية، و الملايين من اليوروهات، لتعليم هذا العالم الثالث قيم الديمقراطية و حقوق الإنسان، تنفجر الفضيحة، يتم تطويقها بدقة و دون صخب، وزير الداخلية الإسباني، الذي هو أحد أقوي شخصيتين بالحزب الإشتراكي الحاكم، و يقال عنه أنه الحاكم الفعلي في الظل، يقوم مكتبه بتعميم توجيه سري إلي كل أقسام الشرطة بضرورة الإلتزام (بمخصصات إسبوعية) من المهاجرين غير الشرعيين!! القبض المنظم علي أعداد محددة و بنسب محددة منهم إسبوعيا، حتي يتم طردهم تدريجيا خارج الحدود الإسبانية. و بالتالي عبر عمليات الصيد المنظمة للشرطة يتم تنظيف المجتمع الإسباني.
حضرة الظابط عليه أن يغادر مكتبه لصيد عدد معين من المهاجرين، بغض النظر عما إذا كانوا قد إرتكبوا مخالفة أو جريمة. جريمتهم الأساسية إنهم من ضمن الألاف الذين يخاطرون سنويا بحياتهم في قوارب الموت الشهيرة لضمان بعض الخبز لعائلاتهم البعيدة، الجوعي بعد قرون من الإستغلال الأوروبي الراقي لمجتمعاتهم.
هل يذكر هذا القارئ بما تمارسه الشرطة المصرية من تلفيق القضايا للأبرياء، فقط من أجل تقفيل ملفاتها؟
حين يتحدث التعميم عن نسب محددة فهو يشير إلي أن الأولوية هي لصيد المغاربة. و هنا علي أن أتبرأ من الجالية المغربية و ممثليها، لأنهم ناكرين للجميل، فلم يوجهوا الشكر للدولة التي قررت لأول مرة إعطاءهم الأولوية في شئ، حتي و لو كان الطرد.
رغم معركة الإنتخابات المحلية المشتعلة بين الحزبين الرئيسيين: الإشتراكي (الوسط) و الشعبي (اليمين) يتم تحجيم الفضيحة، و عدم إستغلالها في معركة تستخدم فيها جميع الأسلحة. و لنكتفي بتصريح مقتضب لوزير الداخلية ينكر خلاله الوثيقة الرسمية، فلم يطالبه أحد بالإستقالة أو حتي الإعتذار.
الذي إستقال كان وزير العدل، الذي يذهب لصيد الخنازير البرية دون تصريح و في مناطق ليس له الحق بالصيد بها، و بصحبة قيادات من وزارة الداخلية و أحد أكثر القضاة شهرة علي المستوي العالمي (غارثون المرشح لجائزة نوبل) عشية إفتتاحهم معا لملفات الفضائح المالية و قضايا الفساد التي تمس الحزب المنافس.
كل هذا لن يمنعني بإعتباري أوروبي راق، من التعامل بجدية مع خطاباتهم التي تتحدث عن القيم الأوروبية في إحترام حقوق الإنسان.... و الخنازير.
صيد المهاجرين و الخنازير البرية – ٢
في المقال السابق إقتربت من مشهدين لهم علاقة بالإحساس بالتفوق و الأفضلية في حالة أن تكون أوروبيا. فجواز السفر الأوروبي يمنحك غالبا، و في مناطق كثيرة من العالم هذا الإحساس بالأمان و حرية الحركة و السلوك. و في المنطقة العربية ربما يكون الإستثناء هو بعض بلدان الخليج، فالنفط أكثر تفوقا و قدرة من هذه الوثيقة الحمراء الأوروبية. و هو ما يؤكد مرة أخري جملة أمل دنقل: من يملك العملة يمسك بالوجهين، و الفقراء بين بين.
و لنتابع مشهد أخر للأفضلية: خلال عشرة سنوات بإسبانيا لم أسمع مرة واحدة أحد مسئولي الحزبين الذين يتبادلان السلطة، يوجه النقد - لو الناعم لنظام مبارك - رغم إنتهاكه لكل حقوق الإنسان المتعارف عليها. رغم إننا لسنا من مالكي النفط، إلا أن موقع مصر الفريد و ثقلها - المشكوك به حاليا - في الشرق الأوسط، يحمي نظامها و ليس شعبها، و ربما يتم توجيه النقد أكثر لعادات شعبها المقهور.
إلا أن نصيب حاكم فينزويلا الجنرال شافيز مختلف، فلأسباب إقتصادية و سياسية يختلف الموقف الأوروبي تجاهه. إيجابا و سلبا حسب المناسبة، و لكن دون التخلي أبدا عن هذا الإحساس بالتفوق و الأفضلية تجاه نظامه، و ربما تجاه شعبه.
ليس دفاعا مني عن شافيز، فمن الصعوبة أن أجد نفسي متحمسا لأي من خطواته الهيستيرية الشعبوية. و لكن لنتأمل الموقف التالي: قبل أيام و خلال الإستفتاء الأخير الذي نظمه شافيز حول (حقه) في التقدم للإنتخابات الرئاسية، و الحكم دون سقف زمني، و هو ما يعني مدي الحياة، الهزيمة، الإعتقال أو القتل من قبل عسكري أخر، دعت المعارضة اليمينية بعض البرلمانيين الأوروبيين لمراقبة الإستفتاء، بالطبع من المنتمين إلي أحزاب اليمين الأوروبي. أحدهم و أسمه (لويس إيريرو)، عضو مغمور في البرلمان الأوروبي عن الحزب الشعبي الإسباني.
يبدوا أنه يمتاز بذكاء حاد، يفترض فيه إنه حيادي حتي يكتشف إن الإستفتاء الذي يأتي لمراقبته مزيف، إلا أن أول تصريحاته عند وصوله لفنزويلا كانت وصفه لشافيز بالديكتاتور الذي سيزيف نتائج الإستفتاء، و ذلك قبل إجراءه أصلا. و لتبدأ الفضيحة عند هذه اللحظة، حالة تعبئة كاملة في الإعلام الإسباني للتضامن معه، و حقه في الشتيمة، و عدم الحيادية، وذلك بعد أن قام شافيز بطرده.
و في إسبانيا يتحول لضحية و بطل. غرفة العمليات الخاصة بوزارة الخارجية لم تتوقف عن العمل طوال يومين حتي وصوله للأراضي الإسبانية. و في المطار يعبر البطل عن قلقه علي زملاءه الذين لم يتم طردهم. أجهزة الإعلام منحته مساحة توهجه كبطل، و كأنه عائد من بلد يذبح فيه الديمقراطيين الأوروبيين في الشوارع!!!! دون طرح تساؤل بسيط حول ما كان سيحدث إذا أتي أحد سياسيي العالم الثالث للأراضي الإسبانية، ليصرح بما تعتبره الحكومة الإسبانية مجرد غير لائق؟
للحصول علي إجابة السؤال، أرجوا من القارئ العودة إلي (دليل التفوق الحضاري الأوروبي) و إذا كان الدليل مكتوب باللغة الأوروبية التي لا يفهمها طبعا القراء، فعليهم الإكتفاء بما تشير إليه الصحافة الإسبانية بين الحين و الأخر، و هو صحيح، بأن مستشاري شافيز و مخططي سياساته هم من الأكاديميين الإسبان المنتمين لليسار. و هو طبيعي، فيسار العالم الثالث مثله مثل مجتمعاته، ليس لديه أية مؤهلات!!!!
هل تفهم القارئ إحساسي بالتعالي عليه بسبب جواز السفر الذي أحمله؟ إلا أنني حتي اللحظة لا أعي الفرق ما بين صيد المهاجرين الفقراء، و صيد الخنازير البرية.
باسل رمسيس
هوامش علي الدم الفلسطيني
| هوامش علي الدم الفلسطيني | | |
| 31/01/2009 | |
| باسل رمسيس تلقيت بعض التعليقات حول مقالي الأخيرين المنشورين بجريدة «البديل» تتهمني باليأس وتعميمه علي القراء، وهو ما يمكن الرد عليه عبر دليل الكتابة نفسها، التي أراها فعلا تفاؤلية، فما الذي يدفع أحدهم من غير الكتاب، وهولا يستهدف أن يكونه، إلي العودة لهذا الفعل بعد أعوام خلال المذبحة! أعتقد بأنها الرغبة في الحوار، والتحفيز علي ضرورة البحث عن بديل، وهو ما يعتبر تفاؤلا. ولنختتم الكتابة فيما يخص غزة حاليا ببعض التساؤلات والمشاهد المتناثرة. خلال المذبحة الأخيرة سافرت لعمّان، لعدة أسباب، كان من بينها الرغبة في الاقتراب من فلسطين، ولنتأمل فقط بعض التفاصيل المتناقضة، في القاعة الرئيسية للحزب الشيوعي الأردني، هناك بالطبع الصور: جيفارا، ماركس، إنجلز، لينين، وصورتان لشهداء الحزب تحت التعذيب الملكي، وعلي صدر القاعة صورة للملك الأردني. التفصيلة الثانية هي أنه في عدد من الحانات غير الشعبية، المخصصة للترفيه حتي ساعات الصباح الأولي، تحتل شاشة قناة الجزيرة بكل ما يأتي من غزة مكانها المميز، ولكن دون صوت. والصوت السائد هو الموسيقي الغربية الصاخبة. أما التناقض الثالث، فهو انسجام الكتابة ضد فكرة المسيح المخلص، مع الإحساس بافتقاد وجود محمود درويش؟ ليس ليكتب عن هزيمتنا الجديدة، ربما فقط ليمنحنا بعضا من الأمان. حين تقترب من دمك القريب، لتجده أبعد، تسيطر عليك المرارة والإحساس بالخسارة، وهو ما يدفع في هذه الحالة للتركيز علي تناقضاتنا، ومشاكلنا، وليس فقط التنديد بدموية عدونا. فعمّان تبعد ساعة عن القدس، ومدريد التي أسكن بها، تفصلها عن فلسطين ساعات كثيرة وليس بها كل هؤلاء اللاجئين، فلماذا أشعر في الأولي بالابتعاد أكثر؟ المقال السابق، والمكتوب في عمان، لم يكن تسفيها للجميع، هو فقط نفي لفكرة المسيح المخلص، لصالح فكرة إن كان هنالك من مخلص فهو فينا، نحن نصنع من ذاتنا المخلص، عبر عدم تجاهل تناقضاتنا وعجزنا الحالي. ولنتحدث قليلا عن الإيجابي في هذه الهزيمة الأخيرة، متجاهلين مؤقتا تساؤل من المنتصر ومن المنهزم فيها؟ هؤلاء الملايين من البشر الذين خرجوا للاحتجاج في كل العالم، بانتماءاتهم لثقافات وأجناس مختلفة، أليس هم هذا الشيء الإيجابي؟ هل يكفي هنا الابتهاج بذلك دون محاولة الاستفادة من هذا الزخم إن وجد؟ أم نتوقف عند مؤتمر حماس الصحفي بعد نهاية المذبحة، الذي شمل إهانة عنصرية لملايين ممن شاركوا، حين يؤكد المتحدث الملثم أن اليهود قد أثبتوا أنهم أبخس أجناس الأرض؟ وهكذا يضع اليهود والصهاينة في سلة واحدة ويخلط بينهما دون أدني معرفة سياسية حقيقية. بناء علي قطاع من الإعلام العربي فإن اليهود المتضامنين معنا والمعادين للصهيونية هم (فلان الفلاني من أصل يهودي) وهو ما ينفي وجود يهود معادين للصهيونية. حتي لدي جهاز تعبئتنا المسمي بقناة الجزيرة، فبالنسبة إليها العالم مقسم إلي مجموعات تنتمي إلي أديان مختلفة وفقط. برغم بعض التجميل الذي أضافته لخطابها خلال الأيام الأخيرة من الحرب، مستخدمة مصطلح المقاومة الفلسطينية. فهل علينا أن نصدق مرة أخري، بعد آلاف المرات، أن النضال الفاعل والناجح ضد إسرائيل، الكيان العنصري والقائم علي أسس دينية، من الممكن أن يكون علي أرضية دينية أيضا؟ هل علي أن أختار بين عنصرية صاحب الدم القريب وعنصرية وصهيونية صاحب الدم البعيد؟ التناقض يمتد إلي مستوي الإحساس بالقزمية تجاه بعض ما هو إيجابي، حين نكتشف أن لاعب كرة من مالي (كانوتيه) اللاعب في الدوري الإسباني أكثر فاعلية منا، حين يدخل عن طريق قميصه قضيتنا إلي ملايين البيوت، ونحن في المقابل برغم نياتنا وجهدنا نظل علي الهامش، متحدثين عن تغيير العالم بإجماله. هامشنا هذه المرة - دون سخرية - هو صفحات الفيس بوك، للعرب وغيرهم من المتضامنين مع غزة، الآلاف الذين بدأوا في العد، ليطرحوا تساؤلا يوميا حول ما يحدث، وقاموا بتغيير صورهم بكلمة غزة أوبكلمة (قف)، ولكن التساؤل يظل هو كيفية ترجمة هذا إلي فعل حقيقي وبديل؟ وحتي لا تتلبسني الإيجابية بالكامل أتساءل: أين كان أصدقاؤنا اللبنانيون الذين جيشوا العالم كله عبر البريد الإلكتروني خلال حرب 2006؟ مساهمين في الحشد ضد حرب إسرائيل علي لبنان، ولم تصل من كثير منهم كلمة واحدة حين انتقلت المذبحة إلي غزة. فهل الدم الفلسطيني هذه المرة بعيد عن بيروت؟ هل علي تجاهل هذا الغياب وعدم التساؤل حوله؟ وبمناسبة الفيس بوك، أحد المصريين الإعلاميين المتضامنين مع غزة، وضع تعليقا يقول (يا فلسطيني ياللي قاعد عالنت، انت راجل ولا ست). لن أبوح باسمه هنا لمعرفتي بأن صديقاتنا الناشطات في الحركة النسوية كفيلات بدمه. السخرية مما يحدث منسجمة مع سمات جديدة في هذه المذبحة، وكوميديا أن يقوم جيش قاتل بإرسال رسالة إلي من يقتله علي هاتفه الجوال ليخبره بأنه سوف يقتله. سفاحو إسرائيل لم يفقدوا روح السخرية، ولم يفقدها الغزاويون أيضا. خلال مكالمة مع منال عواد، إحدي الصديقات بغزة في يوم رأس السنة، أخبرتني عن الرسائل وعن القنابل الإسرائيلية التي أسمتها ألعابا نارية بمناسبة العام الجديد، هي تسكن في رفح وحكت أن بيت عائلتها (الذي زرته قبل ثلاث سنوات خلال زيارة إلي فلسطين المحتلة عامي 84 و76، التي ربما أكتب عنها في المستقبل) يبعد700 متر عن الجدار العازل بين فلسطين ومصر، الجيش الإسرائيلي ينذر السكان بأن يبتعدوا ألف متر عن هذا الجدار، لأنه سوف يدمر المنطقة. تتساءل هي، من بيتها الذي لم تغادره، إذا كانت الـ 700 متر كافية؟ هل يمكن خداع الإسرائيليين في 300 متر؟ هذا فقط نموذج من الكوميديا الدامية، التي سيطرت علينا طوال الأسابيع الماضية، والتي لم تتوقف حتي هذه اللحظة. أتكتمل حين نري ممثلي حماس ذاهبين للقاهرة ليجلسوا علي نفس المائدة التي اتخذ عليها قرار ذبحهم أو تأديبهم |
المسيح المخلص و مجزرة/مسخرة غزة ٢
هي مسخرة، نعم فنحن إزاء مجزرة يدور حولها عدد من المهرجين الراقصين لتشجيعها، و ربما تكون أحد أكثر مجازرنا مسخرة، لتفتح الباب لما يأتي بعدها من هزائم/ نكسات/ نكبات إذا لم نستطع البحث الجدي في السؤال الملح: ما العمل لتغيير واقعنا كاملا و بشكل جذري، و ليس فقط إنتظار مجئ مسيحنا المخلص، هذا (الفرد) الذي نتصور إنه سوف يمحي هزائمنا جميعا، و ينتشلنا من ضعفنا البالغ، هذا الضعف الذي هو السبب في إنتظاره أصلا. فهذا المسيح لم و لن يأتي، و إن ظهر أحد تشبيهاته أو توهيماته، فأنه غالبا ما تركنا خائبين بعد أن قام ببعض التصريحات الغاضبة، و بعض الخطوات التي لا تمس وضعنا و أهمية تغييره بجذرية، فمصالحه غالبا تتناقض مع مصالح شعوبنا و مصالح المذبوحين في غزة.
هذا المسيح المخلص، ذو الدم القريب أو حتي البعيد، يتلبس أشكالا عديدة، و يتكلم بلغات و لهجات تتغير حسب الظرف. و حتي يتم تجنب الإتهام بالسخرية من الجميع فلأبدأ بالسخرية من ذاتي، رجوعا إلي ١٨ عاما للوراء حين كنا نهتف لأحد القتلة بالتظاهرات قائلين: أضرب إضرب تل أبيب يا صدام يا حبيب.
بناءا علي بعض وسائل الإعلام العربية فإن اليهود الذيين يتضامنون معنا و المعادين للصهيونيه فهم (فلان الفلاني من أصل يهودي) وهو ما ينفي وجود يهود معادين للصهيونية، و يفجر الضحك و بعده البكاء، من ضمنها جهاز تعبئتنا المسمي قناة الجزيرة، و التي يبدوا أن العالم بالنسبة إليها عبارة عن مجموعة من الأشخاص المنتمين إلي أديان مختلفة و ليس أي شئ أخر. برغم بعض التجميل التي أضافته لخطابها خلال الأيام الأخيرة، و أحيانا فقط، مستخدمة مصطلح المقاومة الفلسطينية، و ليس المسلمون أو المقاومة الإسلامية كما إعتادت.
و كأن علينا أن نصدق مرة أخري، بعد ألاف المرات، إن النضال الفاعل و الناجح ضد إسرائيل، و هي الكيان العنصري و القائم علي أسس دينية، من الممكن أن يكون علي أرضية دينية أيضا. فهل علي أن أختار بين عنصرية صاحب الدم القريب وعنصرية و صهيونية صاحب الدم البعيد؟
و بما إننا بدأنا الحديث عن فلان الفلاني من (أصل يهودي)، فقد سأل السينمائي اليهودي و ليس الصهيوني وودي آلان قبل سنوات عن سبب رفضه لإنتخاب جورج بوش كرئيس في حين أنه مهرج و وودي آلان يحب المهرجين، فكان رده نعم أحب المهرجين، و لكنني لا أحب المهرجين القادرين علي القتل. فالنكتة تفجر الضحك، و هو ما يجعنا قادرين علي الحياة، و لكن نكاتنا/مساخرنا تفجر الدم و الموت.
أحد الوجوه التي تصور بعضنا أنه أحد مخلصينا كان السيد ثاباتيرو رئيس الحكومة الإشتراكية الإسبانية، لمجرد أن أول قراراته كان خروج القوات من العراق، ليرسلها بعدها بسنتين إلي لبنان، لحماية شمال إسرائيل، تلفزيونه و حزبه في توافق تام. ففي يوم ٩ يناير الماضي و لأول مرة منذ بداية المجزرة، توقفت غزة عن كونها الخبر الأول في نشرة أخبار التلفزيون الرسمي الإسباني، رغم كونه يوم القرار الدولي المتعلق بها، و القاضي بإستسلام غزة لذابحيها مقابل توقف إسرائيل عن القتل العنيف، و بداية القتل المبرمج. في هذا اليوم إحتلت أول ٢٥ دقيقة من النشرة أخبار تساقط الثلوج في إسبانيا، بالرغم من أن هذا الطقس لم يكن له ضحايا سوي بعض العجائز الذين فقدوا توازنهم أثناء مشيهم بشارع لا تتساقط فوقه القنابل الفسفورية، و أصيبوا فقط ببعض الخدوش، و بعدها وخلال ٥ دقائق جاءت غزة إلينا، كان ملخصهم أن المنظمة (الإرهابية) حماس و دولة (إسرائيل) قد رفضا القرار الدولي.
نفس هذا اليوم يتجاوب الحزب الإشتراكي الحاكم مع الدعوة للتظاهر يوم ١١ يناير في مدريد و التي نظمها بالفعل إتحاد اليسار (الشيوعيين) حتي لا تغيبه الموجة، و التي ضمت أكثر من ٢٥٠ ألف مواطن، وكان شعارها الأساسي هو وقف الحرب ضد سكان غزة و إنهاء الحصار، بينما نفس الحكومة الإشتراكية مارست و أيدت الحصار بعد فوز حماس بالإنتخابات، و بررت بشكل ما الحرب الحالية.
قبلها بيومين يصرخ أحد الصحفيين الإسبان في الراديو الأكثر إستماعا متسائلا: لماذا نسمي حماس بالإرهابية؟ ألمجرد أن الأمريكيين وصفوها بذلك؟ إذا كانت حماس كذلك فإن قادة إسرائيل أيضا. هنا سأمتنع عن ذكر إسمه حتي لا نحوله لبطل قومي. و تكتمل مسخرة إعجابنا بتصريح داعم لنا و لكنه منتقص
بنفس هذا المنطق الباحث و المتعطش لبطل أو مسيح مخلص، يتحول رئيس دولة فينزويلا شافييز بقدرة قادر إلي محرر القدس الشريف، فأهمية خطوته (التي لا أنكرها) لا تنفي كونه مهرج أخر، منذ أعوام قال جملته الشهيرة (البترول لنا) وحتي الأن مازال فقراء فينزويلا يزدادون فقرا و أغنيائها يزدادون جشعا. و يبقي الفشل في تجاهل أوجه الشبه بينه و بين قائد الثورة العربية و العالمية معمر القذافي.
و لكن ماذا عن المنسحبين من القائمة القديمة؟ فقائمتنا و ذاكرتنا ربما تكون الوحيدة التي تجدد ذاتها، فذاكرتنا ضعيفة و تعمل ضد مصالحنا مثلها مثل الأنظمة. القائمة القديمة سقط منها سهوا طرفان، فالسيد أحمدي نجاد الذي إتخذ من هدف إنهاء إسرائيل هدفه الأساسي، إعلاميا، لم يتوقف عن الصخب و الخطاب العنصري تجاه كل ما هو ليس بمسلم، إلا إنه لم يجد المبرر الكافي بعد ليقوم بموقف عملي واحد، فقد مرت مذبحة لبنان ٢٠٠٦ و تستمر مذبحة غزة ٢٠٠٩، و قاموسنا العربي لم يصفه بالندالة بعد، برغم تخليه عن حلفاءه.
أما بطلنا الأخر المعروف بالسيد، فهو لم يكتفي بأن يترك في حلقنا الكثير من المرارة بسبب أخر تصريحاته خلال نهايات حرب ٢٠٠٦، فعاد ليتحفنا بدعوته للإنقلاب المسلح في مصر!! فهل علينا أن نغير الجنرال بجنرال أخر؟ لماذا لا يدعوا إلي إنتفاضة شعبية مثلا؟ الدهشة تربكني لأجد أن أوباما الصامت (بطل العرب السابق،) و معه الأمين العام للأمم المتحدة، الذي يحتفظ بالهدوء و الصمت الأسيوي، و لا يعترض علي قصف إسرائيل للمؤسسات التابعة له و قتل موظفيه، أرحم من كلام السيد نصر الله، فعلي الأقل هذا الأبيض أوباما، و هذا الموظف في نيويورك من أصحاب الدم البعيد جدا، أولهم سوف يقوم بقتلنا قريبا و الثاني سيقوم بتبرير هذا القتل.
و بما إن أغلبنا في إنتظار المسيح المخلص، و بما إن حق الإختلاف مشروع، يكتفي بعضنا بحق تأمل هذه المسخرة، التي تم إعدادها بركاكة بالغة مثل أغلب أفلام عادل إمام (الزعيم!!) الذي يبرر لسيده مشاركته في ذبح أهل غزه و حصارهم.
هل نستطيع أن نقول هنا و لتكتمل هذه الكوميديا سيئة الإعداد، أن الفلسطينيين بعد المجزرة سوف يعودون لمشاهدة أفلامه و ليس مقاطعتها؟ هل علينا أن نشعر بالحنين تجاه جدية قاتلة أخري هي جولدا مائير؟ و ذلك تجاه هزلية وزيرة الخارجية الحالية، و حولها يلتف الأراجوزات، الذين لمجرد ولادتهم بيننا لا نجرؤ علي وصفهم بالأعداء. أحدهم صاحب الدور الثانوي في المسخرة، بدأ لعب دوره قائلا: الريس قال روحوا جيبوللي الست دي هنا أكلمها، دوول ناويين يضربوا الفلسطينيين و ده ميصحش!!!
صانعي المسرح و السينما الكوميدية المبتذلة في بلادنا نجحوا علي الأقل في تعليم السياسيين، سواء الحاكمين في مصر أو الحاكمين في هذه المسخرة المسماة بالسلطة الوطنية الفلسطينية، مع حفظ المقام لباقي السادة الذاهبين للكويت أو الذاهبين للدوحة، الجاهلين بأصول الدراما فيقوموا بتغيير طبيعة أدوارهم بدون مبرر، فالنظام المصري و لأول مرة لا يتجاهل فقط ذبح أصحاب الدم القريب، و هو أداءه منذ عدة حقب، إلا أنه يشارك بهمة و نشاط في تبرير ذبح هذا الشعب، ويحاصره، و خلال أيام يصبح صاحب المبادرة التي (تحمي) الفلسطينيين!
إذا ما هو الفرق بين العدو صاحب الدم البعيد و العدو صاحب الدم القريب في المساخر العربية؟
باسل رمسيس
مجزرة غزة أسطورة الدم القريب و الدم البعيد مشاهدات أحدهم في بلاد الأندلس
أسطورة الدم القريب و الدم البعيد
مشاهدات أحدهم في بلاد الأندلس ١
الاعتذار واجب بداية، فهذا النص كان عنوانه الأصلي، و المناسب لموضوعه هو: مسخرة غزة. ربما بعض بقايا الخجل القديم هو ما فرض تغيير العنوان. فقد مرت سنوات دون كتابة مقال لجريدة، لأكتشف الآن أن تلبس روح الفيس بووك و البلوجرز غير المتهيبة من أي شئ، لا يناسب أحيانا من مارسوا بعضا من الصحافة خلال النصف الأول من التسعينات. فبعد بداية مجزرة غزة بيوم واحد و حتي هذه اللحظة و برغم كل الدماء التي تستهلكها هذه المجزرة، إلا أنني لا أتمكن من التوقف عن ملاحظة جانب المسخرة فيما يحدث، و هي المسخرة التي تدفع إلي الضحكك، البكاء، و الصراخ.
خلال اليوم التالي لبداية المجزرة كانت أول التظاهرات و الاعتصمات الاحتجاجية ضدها بمدريد، أمام السفارة الإسرائيلية، و كعادة اليساري الذي برغم عمله بالسينما، يعجز أحيانا عن نسيان الدم القريب أو البعيد، فيتجه للمظاهرات بمنطق دعمها بشخص إضافي، رغم عدم اتفاقه مع الكثير من شعاراتها، فذهب في الميعاد، بضع عشرات يفجرون غضبهم أمام مبني زجاجي بارد يحمل في أحد جوانبه علما إسرائيليا، و هنا كان التساؤل: علي بعد عدة مئات من الأمتار هناك مئات الآلاف من اليمين المحافظ و من الساذجين أيضا، يتجمعون برغم البرودة في أحد الميادين للاستماع عبر التلفزيون لبابا الفاتيكان، الذي يتحدث ضد الإجهاض، وضد المثليين جنسيا، و ضد موانع الحمل. و هنا يتجمع العشرات من الشيوعيين الإسبان وبعض العرب القليلين ليتضامنوا مع الجوعي و المذبوحين في غزة، فكان التساؤل حتميا أين هم إذن الإشتراكيون، الوسط؟ فكان الرد الضاحك من إحداهن، إنهم نيام فالجو بارد و نحن في أعياد الميلاد.
لم يكونوا نائمين تماما، فقد ظهروا علي شاشة التلفزيون الإسباني بعدها بساعات علي هيئة وزير خارجيتهم، ليصرح بأنهم ضد العنف في الشرق الأوسط، ولكن علينا بداية أن نتذكر أن حماس هي المسئولة الأساسية عن هذا العنف بإنهائها للهدنة.
الدم الفلسطيني في هذه الحالة هو الدم البعيد، و لذلك فإن دماء ٨٠٠ شخص في غزة تساوي في الأسواق أقل من دم أي إسباني واحد يواجه خطر عقوبة الإعدام في أحد البلدان بسبب إتجاره بالمخدرات.
ليس من الواجب أن تجعلنا العجرفة أن ننسي واجب شكر الدولة الإسبانية علي كونها تخصص الجزء الأول من نشرة الأخبار اليومية الرئيسية في التلفزيون الرسمي لما يحدث في (الشرق الأوسط) ولا تخصصه لما يحدث من قتل بدم بارد في غزة، موظفة لهذا الجزء مراسلا تلفزيونيا علي درجة شديدة من الخصوصية، فمشكلته ليست كونه غير متحدث بالعربية، وليس علي أي نوع من المعرفة الموثقة بما يحدث، فأصلا أغلب المتخصصين في شئون منطقتنا ليسوا علي أي معرفة إلا السياحية منها، لكن هذا المراسل يتميز بكونه أيضا غير قادر علي قول جملة واحدة مفيدة أو سليمة باللغة الإسبانية أصلا، فيسجن معه المشاهدين في عدم الفهم الكامل لما يحدث، و ليكتفي المشاهد ذو الدم البعيد إذا بالاستقبال المبسط: هؤلاء العرب من غزة ومسلحو حماس وجوههم غير مألوفة، يصرخون بهستيرية في جنازات أبنائهم الذين قتلوا، أما هؤلاء المسلحون، أعضاء الميليشيا المسماة مجازا بالجيش الإسرائيلي فهم يشبهوننا نحن الأوروبيين. و أعتذر هنا عن السخرية و عدم الدقة.
هذا هو ما يتكرر يوميا في أغلب وسائل الإعلام الأوروبية، تضاف إليه مفارقة أن هذه المجزرة تأتي في الوقت غير المناسب، فنحن في أعياد الميلاد، فبعد أحد الأخبار المطولة عما يحدث في هذا الشرق الأوسط البعيد، يوم الخامس من يناير الحالي، و الذي يوافق اليوم السابق لعيد الهدايا في إسبانيا، و المبني علي فكرة أن ملوك المجوس بعد زيارتهم لمهد يسوع الطفل، يبدأون رحلتهم وصولا لمنازل الإسبان حاملين الهدايا، و بما أن العادة هي احترام ذكاء الأطفال و ليس التعامل معهم باعتبارهم بلهاء كعادة كثيرين منا، أنهت المذيعة أخبار المجزرة لتبدأ في الحديث بجدية بالغة عن رحلة ملوك المجوس الآتين بالهدايا، فتخبرنا – نحن الأطفال - بأنهم في الطريق، سيصلون في موعدهم، برغم أن الرحلة من (الشرق) منهكة وطويلة، لتترك للكثيرين مرارة إكمال الجملة: وعليهم المرور فوق الكثير من أجساد و دماء أطفال غزة، حاملين الهدايا للأطفال الأوروبيين الناعمين بالسلام و المحبة.
عدم الفهم ذاته أصابنا نحن العرب المهمشين في بلاد الأندلس، و لكن هذه المرة من قبل جيش دفاعنا المسمي قناة الجزيرة، هذه القناة التي تشبه أجهزة التعبئة في الجيوش التقليدية، ولكنها تعبئة دون معركة، لا تعبأ بالتفكير لحظة قبل أن يقول مذيعوها أن آلاف (المسلمين) قد تظاهروا في مدريد. لمجرد وجود بعض العرب القليلين في هذه المظاهرات، بعضهم من البارعين دائما في الوصول للصفوف الأولي حاملين المصاحف، وهاتفين نفس الهتافات العنصرية ضد اليهود وليس ضد الصهاينة، بعد التكبيرات التقليدية في بداية المعارك، باللغة العربية بالطبع، بالرغم من توجهها لجمهور غير متحدث بها. وتكتمل هنا المسخرة مرة أخرى، فيضاف في هذه المناسبة الحذاء. و كأن هذا الصحفي العراقي الانفعالي و المخلص والذي يستحق التضامن و ليس تحويله إلى صلاح دين أيوبي جديد، أضاف لثقافتنا كنزا تعبيريا جديدا، لتكتمل مهزلتنا، التي ربما إحدى دلالاتها هي التعليقات المنشورة في الصفحة الإلكترونية لجريدة البديل من قبل بعض قراء المقال الجاد لشريف يونس حول ظاهرة الصحفي العراقي منتظر الزبيدي.
هذه المهزلة/المسخرة التي تجعلنا نسعي في أحيان كثيرة لمجرد التفريغ عبر الصراخ، مثلما يصرخ من يظهرون في الفاصل الإعلاني الحالي لقناة الجزيرة. فعلي سبيل المثال من الممكن التوقف أمام درجة صوت، ونوع البكاء، والخطاب الذي تردده إحداهن بهذا الإعلان: (اللي بيحصل في فلسطين ده حرام، إحنا عايزين عربيات تيجي تاخد مننا دمنا تودوهولهم). بالطبع ليس هناك نية للسخرية من هذه الشابة المصرية المنفعلة، فسلسلة مساخرنا طويلة، وأكثر جدية وربما لا تستثنينا جميعا وربما من الجدية تناولها في مقالات أخري، دون تناسي السؤال المتاح و الملح دائما، ألا وهو بغض النظر عن (أهمية) البكاء و الصراخ، ما هو البديل الحقيقي، أو الفعل الذي من الممكن أن يكون علي المدي البعيد ذا تأثير لوقف مهازلنا/ مساخرنا/ والمجازر التي ترتكب في حقنا، بإعتبارنا من أصحاب الدم القريب؟
باسل رمسيس